السيد حيدر الآملي

50

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

يمكن إلَّا بالعبور عنها والعروج عن مراتبها ، لأنّ الوصول إلى معرفته الحقيقيّة ومشاهدة ذاته المطلقة لا يمكن إلَّا به وبنوره الحقيقي كما قال النبيّ عليه السّلام : « عرفت ربّي بربّي ( 29 ) ورأيت ربّي بربّي » ( 30 ) .

--> ( 29 ) قوله : عرفت ربّي بربّي . نقله أيضا الشيخ عبد العزيز نسفي في « كشف الحقائق » بهذه الألفاظ : عرفت ربّي بربّي ولولا فضل ربي لما عرفت ربّي وأيضا نقله شاه نعمت اللَّه ولي في ج 1 ص 322 وج 3 ص 334 وص 217 وج 4 ص 88 وقال : قال سيد العرفاء : « عرفت الأشياء بربّي ، ما عرفت ربّي بالأشياء » . وأيضا نقله الشيخ عبد القادر الجيلاني م 561 في « سرّ الأسرار » ص 88 عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وقال : « أي بنور ربّي » . وهناك أحاديث كثيرة وردت عن الأئمّة أهل البيت المعصومين عليهم السّلام تدلّ على هذه المرتبة من التوحيد والمعرفة وهي مرتبة معرفة الصدّيقين . روى الكليني في الكافي ج 1 ص 85 « باب أنه لا يعرف إلَّا به » الحديث 1 باسناده عن الإمام الصادق عليه آلاف التحية والسلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « اعرفوا اللَّه باللَّه والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان » . وروى الصدوق في التوحيد : باب 11 صفات الذات وصفات الأفعال ص 143 الحديث 7 ، باسناده عن الصادق عليه السّلام قال : « من زعم أنّه يعرف اللَّه بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك ، لأنّ الحجاب والمثال والصورة غيره ، وإنّما هو واحد موحّد ، فكيف يوحّد من زعم أنّه عرفه بغيره ، إنّما عرف اللَّه من عرف باللَّه فمن لم يعرفه به فليس يعرفه ، إنّما يعرفه غيره ، . . لا يدرك مخلوق شيئا إلَّا باللَّه ن ولا تدرك معرفة اللَّه إلَّا باللَّه » . الحديث فراجع . وروى علي بن شعبه الحرّاني في تحف العقول عن الصادق عليه السّلام في باب ( كلامه عليه السّلام في وصف المحبّة ) ص 326 في حديث : « من زعم انّه يعرف اللَّه بتوهّم القلوب فهو مشرك » . . إلى أن قال : قيل له : فكيف سبيل التوحيد ؟ قال عليه السّلام : « باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود ، إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغائب قبل عينه ، قيل : وكيف نعرف عين الشاهد قبل صفته ؟ قال عليه السّلام : تعرفه وتعلم علمه وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك ، وتعلم أنّ ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف : * ( إِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي ) * فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهّم القلوب » . الحديث فراجع الحديث ، فيه معارف ومعالم جمّة قيّمة وللعلامة الطباطبائي تعليق عليه في هامش الكتاب . وورد من دعاء الصباح عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « يا من دلّ على ذاته بذاته » الدعاء . وأيضا في دعاء العرفة عن أبي عبد اللَّه الحسين بن علي عليهم السّلام : « كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك ، متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي الَّتي توصل إليك ، عميت عين لا تراك عليها رقيبا » . الدعاء أيضا فيه : « أنت الَّذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتّى عرفوك ووحّدوك » . أيضا فيه : « أنت الَّذي لا إله غيرك تعرّفت لكل شيء فما جهلك شيء وأنت الَّذي تعرّفت إليّ في كلّ شيء فرأيتك ظاهرا في كلّ شيء وأنت الظاهر لكل شيء . . . كيف تخفى وأنت الظاهر أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر » . الدعاء . وورد في دعاء أبو حمزة الثمالي عن الإمام السجاد علي بن الحسين عليه السّلام : « بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك ولولا أنت لم أدر ما أنت » . الدعاء . راجع أيضا الجزء الثاني من تفسير « المحيط الأعظم » ص 537 تعليقنا عليه الرقم 345 . ( 30 ) قوله : رأيت ربّي بربّي . أخرج ابن حنبل في مسنده ج 1 ص 285 باسناده عن ابن عباس ، عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال : « رأيت ربّي تبارك وتعالى » . وأخرج مسلم في صحيحه ج 1 كتاب الإيمان باب 78 ، ص 161 ، الحديث 2 و 291 بإسناده عن أبي ذر قال : سألت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله هل رأيت ربّك ؟ قال : نور إنّي أراه . وفي حديث آخر قال صلَّى اللَّه عليه وآله : رأيت نورا . أقول : الظاهر بقرينة الحديث الثاني أنّ الحديث الأوّل لا بدّ ان يقرأ بالياء المتكلَّم ، « نور أنّي أراه » خلافا لما كتب وطبع في الكتاب : « أنّى » فيكون معناه : أي كيف أراه ، يعني أنّ النور منعني من الرؤية ، فمعلوم أنّ هذا خلاف الظاهر ، ويحتمل أن يكون : « نور أنا أراه » كما في حاشية جامع الأصول ج 10 ص 560 . وأخرج ابن كثير في تفسيره ج 4 ص 408 في سورة النجم ، باسناده عن ابن عباس قال : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : « رأيت ربّي في أحسن صورة ، فقال لي : يا محمّد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ فقلت لا يا ربّ ، فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثدي ، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض » . أخرجه أيضا « مجمع الزوائد » عن عبد الرحمن بن عائش عنه صلَّى اللَّه عليه وآله ج 7 ، كتاب التعبير باب 5 ص 367 الحديث 11739 . وروي المجلسي في البحار ج 18 ص 372 الحديث 79 عن تفسير القمي وهو باسناده إسماعيل الجعفي قال : كنت في المسجد الحرام قاعدا وأبو جعفر الباقر ، صلوات اللَّه وسلامه عليه في ناحية فرفع رأسه فنظر إلى السماء مرّة وإلى الكعبة مرّة ، ثمّ قال : * ( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه ِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى » [ الإسراء : 1 ] . وكرّر ذلك ثلاث مرّات ، ثمّ التفت إلىّ فقال : « أىّ شيء يقول أهل العراق في هذه الآية يا عراقي » ؟ قلت : يقولون : أسرى به من المسجد الحرام إلى البيت المقدّس ، فقال : « ليس هو كما يقولون ، ولكنه أسرى به من هذه إلى هذه » ، وأشار بيده إلى السماء ، وقال : « وما بينهما حرم » ، قال : « فلمّا انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلَّف عنه جبرئيل ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : يا جبرئيل أفي مثل هذا الموضع تخذلني ؟ فقال : تقدّم أمامك ، فو اللَّه لقد بلغت مبلغا لم يبلغه خلق من خلق اللَّه قبلك ، فرأيت ربّي ( فرأيت من نور ربّي ) ( فرأيت نور ربّي ) وحال بيني وبينه السبحة » . قال : قلت : وما السجة جعلت فداك ؟ فأومأ بوجهه إلى الأرض وأومأ بيده إلى السماء وهو يقول : جلال ربّي ، « جلال ربّي ثلاث مرّات ، ( قال ) قال : يا محمّد ، قلت : لبّيك يا ربّ ، قال : فيم اختصم الملأ الأعلى ؟ قال : قلت : سبحانك لا علم لي إلَّا ما علَّمتني ، قال : فوضع يده بين ثدييّ فوجدت بردها بين كتفيّ ، قال : فلم يسألني عمّا مضى ولا عمّا بقي إلَّا علمته » . الحديث قال العلَّامة الطباطبائي في تفسيره القيم بعد نقل هذا الحديث عن تفسير القمي : « أقول : قوله عليه السّلام : ولكنّه أسري به من هذه إلى هذه » أي من الكعبة إلى البيت المعمور ، وليس المراد به نفي الإسراء إلى بيت المقدس ولا تفسير المسجد الأقصى في الآية بالبيت المعمور ، بل المراد نفي أن ينتهي الإسراء إلى بيت المقدّس ولا يتجاوزه ، فقد استفاضت الروايات بتفسير المسجد الأقصى ببيت المقدس . وقوله : « فرأيت ربّي » أي شاهدته بعين قلبي . وقوله : « وحالت بيني وبينه السجة » أي بلغت من القرب والزلفى مبلغا لم يبق بيني وبينه إلَّا جلاله » انتهى . أقول : إنّه بما أنّ مقام الإنسان الكامل وقلبه فوق مقام العرش وهو باطن العرش فلا بد من تفسير قوله : « إلى هذه » بمقام فوق العرش وهو مقام « أو أدنى » الذي كما قال قدس اللَّه سرّه : لم يبق بينه وبين ربّه عزّ اسمه إلَّا جلاله سبحانه وتعالى . وسوف نذكر في مقامه إنشاء اللَّه بأنّ الكعبة مطاف للمؤمنين وللإنسان في عالم الطبيعة وهو بيت اللَّه في الأرض ، وباطنه بيت المعمور وهو مطاف للملائكة الأرض ، وباطن بيت المعمور العرش وهو مطاف للملائكة العالين ، وباطن العرش الإنسان الكامل وقلبه وهو قطب عالم الإمكان يعني ما سوى اللَّه سبحانه وتعالى . وهناك أحاديث أخرى أيضا نشير إليها لمزيد الفائدة والبصيرة : 1 - روى الصدوق قدّس اللَّه نفسه في « علل الشرائع » الباب 7 الحديث 1 ص 5 ، وفي عيون « أخبار الرضا » عليه السّلام الباب 26 الحديث 22 ص 262 ، وفي « كمال الدين » الباب 23 الحديث 4 ، باسناده عن الهروي ، عن الرضا عليه الصلاة والسلام عن آبائه ، عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السّلام قال : قال رسول اللَّه عليه السّلام . « ما خلق اللَّه عزّ وجلّ خلقا أفضل منّي ولا أكرم منّي » . . إلى أن قال : « وإنّه لمّا عرج بي إلى السماء أذّن جبرئيل مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى ، ثمّ قال لي : تقدّم يا محمّد ، فقلت له : يا جبرئيل أتقدّم عليك ؟ فقال نعم ، لأنّ اللَّه تبارك وتعالى فضّل أنبياءه على ملائكته أجمعين وفضّلك خاصّة ، فتقدّمت فصلَّيت بهم ولا فخر . . فلمّا انتهيت إلى حجب النور قال لي جبرئيل : تقدّم يا محمّد وتخلَّف عنّي فقلت : يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني ؟ فقال : يا محمّد إنّ انتهاء حدّي الَّذي وضعني اللَّه عزّ وجلّ فيه إلى هذا المكان فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدّي حدود ربّي جلّ جلاله ، فزخّ بي في النور زخّة ( فزجّ بي ربي في النور ) ( فزجّ بي في النور زجة ) حتّى انتهت إلي حيث ما شاء اللَّه من علوّ ملكه ( ملكوته ) فنوديت يا محمّد ! فقلت : لبيك وسعديك تباركت وتعاليت » . الحديث : روى عنه المجلسي في البحار ج 18 ص 345 الحديث 56 وأيضا ج 26 ص 335 الحديث 1 . وفي كنز العمال ج 14 ص 448 ، الحديث 39210 ، عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال : « سألت جبرئيل هل ترى ربك ؟ قال : إنّ بيني وبينه سبعين حجابا من نور ، لو رأيت أدناها لاحترقت » . 2 - المجلسي في البحار ج 24 ص 323 عن كنز جامع الفوائد باسناده عن الباقر عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : « ليلة أسري بي إلى السماء صرت إلى سدرة المنتهى فقال لي جبرئيل : تقدّم يا محمّد فدنوت دنوّة ، ( والدنوة : مدّ البصر ) ، فرأيت نورا ساطعا فخررت للَّه ساجدا » . الحديث . 3 - المجلسي في البحار ج 9 ص 290 الحديث 3 عن الاحتجاج عن ابن عباس قال : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : « حمّلت على جناح جبرئيل حتّى انتهيت إلى السماء السابعة فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنّة المأوى حتّى تعلَّقت بساق العرش ، فنوديت من ساق العرش : إنّي أنا اللَّه لا إله إلَّا أنا السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبّر الرؤوف الرحيم ، فرأيته بقلبي وما رأيته بعيني » . الحديث طويل فراجع . 4 - روى الصدوق في أماليه المجلس 47 الحديث 4 ص 229 باسناده عن سنان قال : « حضرت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السّلام ودخل عليه رجل من الخوارج فقال : يا أبا جعفر أيّ شيء تعبد ؟ قال : اللَّه ، قال : رايته ؟ قال : « لم تره العيون بمشاهدة العيان ورأته القلوب بحقائق الإيمان » . الحديث . عنه البحار ج 4 ص 26 الحديث 1 . وفي « التوحيد » للصدوق ص 108 الحديث 5 باب 8 « ما جاء في الرؤية » ورواه أيضا الكليني في الكافي ج 1 ص 97 الحديث 5 . 5 - روى الصدوق في « التوحيد » باب 8 ص 116 الحديث 17 باسناده عن محمّد بن الفضيل قال : سألت أبا الحسن عليه السّلام هل رأى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ربّه عزّ وجلّ ؟ فقال : نعم بقلبه رآه أما سمعت اللَّه عزّ وجلّ يقول : « ما كذب الفؤاد ما رأى » لم يره بالبصر ولكن « رآه بالفؤاد » . راجع البحار ج 4 ص 43 الحديث 19 . 6 - الصدوق في « التوحيد » في باب 8 ص 109 الحديث 6 باسناده عن أبي الحسن الموصلي عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : « جاء حبر ( عالم من علماء اليهود ) إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته ؟ فقال : ويلك ما كنت أعبد ربّا لم أره ، قال : وكيف رأيته ؟ قال : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان » . ورواه الكليني أيضا في « الكافي » ج 1 ص 97 الحديث 6 . وقريب منه في نهج البلاغة الخطبة 176 . 7 - وروى الكليني في الكافي ج 1 باب ابطال الرؤية ص 98 الحديث 8 ، باسناده عن ابن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام ، قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : « لمّا أسري بي إلي السماء بلغ بي جبرئيل مكانا لم يطأه قطَّ جبرئيل فكشف له فأراه اللَّه من نور عظمته ما أحبّ » . 8 - وروى في نفس الباب الحديث 1 ص 95 باسناده عن يعقوب بن إسحاق ، عن أبي محمّد العسكري عليه السّلام قال : « انّ اللَّه تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبّ » . 9 - وروى محمد بن قولويه القمي في « كامل الزيارات » باب 22 الحديث 6 باسناده عن ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : « بينما رسول اللَّه في منزل فاطمة ، والحسين في حجره ، إذ بكى وخرّ ساجدا ، ثمّ قال : يا فاطمة يا بنت محمد ! إنّ العلىّ الأعلى تراءى لي ساجدا ، ثمّ قال : يا فاطمة يا بنت محمد ! إنّ العلىّ الأعلى تراءى لي في بيتك هذا في ساعتي هذه في أحسن صورة وأهيأ هيئة » . الحديث . تبصرة ، لنا قاعدة في عدم الجمود في ظواهر الألفاظ في الكتاب والحديث : نذكر أوّلا كلاما قيما لأستاذنا العلَّامة الحجّة السيد مرتضى المستنبط ، وهو قال في المقدّمة الخامسة من مقدّمات تفسيره « مواهب الرحمن » ص 2 : « أنّ المعاني الموضوعة لها الألفاظ والكلمات لا سيّما الألفاظ الواردة في الأخبار والآيات أنّما هي الحقائق المطلقة ، ولم يلاحظ في مقام الوضع إلَّا نفس الحقيقة والذات بدون أن يعتبر فيها حالة من الحالات ولا خصوصيّة من الخصوصيّات ، كما في لفظ الكتاب مثلا حيث إنّه موضوع لما كان جامعا للنقوش المرسومة فيه ، ولم يعتبر كونه قرطاسا أو جلدا أو حديدا أو نحاسا أو خشبة أو غيرها ، ولا كونه جسمانيّا أو نفسانيّا أو عقلانيا . . إلى أن قال : ولمّا كان حقائق المعاني دائرة مدار فلك الوجود في قوسي النزول والصعود بتمام مراحلها وسائرة بجميع مراتبها من الهاهوت إلى الناسوت بدون أن يتغيّر أصل الحقيقة وينثلم وحدتها فكانت الألفاظ الواردة في الآيات والأخبار دالَّة على حقائق معانيها في كلّ مرتبة على حسب شؤونها وفي كلّ مرحلة على وفق بروزها وظهورها من دون أن يخالف مرتبة أخرى ، وبهذا ينصرح ما ورد في الأخبار من أنّ القرآن له ظهر وبطن ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن ، ولكلّ آية ظهر وبطن ولكلّ حدّ ومطَّلع كما عرفت » . انتهى أقول : مراده من الهاهوت مقام الهوهويّة والذات المطلقة كما كان يقول رحمهم اللَّه في محاضرات درسه . وأمّا القاعدة فهي هذه : لا بدّ أن نعرف بأنّ الألفاظ والمفاهيم لا تحمل على المصاديق الماديّة فقط ، لأنها ما وضعت للمصاديق بل وضعت للغايات ، والغاية توجد في مختلف المصاديق من الماديّة أو غيرها ، ولهذا عندما نرى ألفاظا في القرآن مثل الكرسي ، العرش ، اليد ، الرؤية ، العمى ، وغيرها إلى ما شاء اللَّه يجب أن ندقّق في حملها على مصاديق معانيها وليس صحيحا مطلقا ، ولا ضرورة لحمل هذه الألفاظ والمفاهيم على مصاديقها الماديّة فحسب ، وعند ما يوجد هناك دليل قطعي يدلّ على استحالة معنى المادّي من تلك الألفاظ في موردها القرآنيّة ، مثلا بالنسبة إلى اللَّه سبحانه وتعالى نرفع اليد منه ونحمل على المصاديق الأخرى ، هذا لأنّ لكل مفهوم ومعنى ، ولكل مصداق وحقيقة ، مراتب . قال الفيض الكاشاني في تفسير الصافي ج 1 في المقدمة الرابعة : « انّ لكل معنى من المعاني حقيقة وروحا وله صورة وقالب وقد يتعدّد الصور والقوالب لحقيقة واحدة ، وإنما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ولوجودهما في القوالب ، تستعمل الألفاظ فيهما على الحقيقة لاتحاد ما بينهما ، مثلا لفظ القلم إنّما وضع لآلة نقش الصور في الألواح من دون أن يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غير ذلك بل ولا أن يكون جسما ولا كون النقش محسوسا أو معقولا ولا كون اللوح من قرطاس أو خشب بل مجرّد كونه منقوشا فيه وهذا حقيقة اللوح وحدّه وروحه ، فإن كان في الوجود شيء يستطر بواسطة نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به أن يكون هو القلم فإنّ اللَّه تعالي قال : * ( عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) * بل هو القلم الحقيقي حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحدّه ، من دون أن يكون معه ما هو خارج عنه ، وكذلك الميزان مثلا فإنه موضوع لمعيار يعرف به المقادير ، وهذا معنى واحد هو حقيقته وروحه وله قوالب مختلفة وصور شتّى بعضها جسماني وبعضها روحاني . . . وبالجملة : ميزان كل شيء يكون من جنسه ، ولفظة الميزان حقيقة في كل منها باعتبار حدّه وحقيقته الموجودة فيه ، وعلى هذا القياس كل لفظ ومعنى ، . . . وممّا ذكر يظهر سبب اختلاف ظواهر الآيات والأخبار الواردة في أصول الدين وذلك لأنّها ممّا خوطب به طوائف شتّى وعقول مختلفة فيجب أن يكلَّم كلّ على قدر فهمه ومقامه ومع هذا فالكلّ صحيح غير مختلف من حيث الحقيقة ولا مجاز فيه أصلا » . وهناك كلام قيّم للعلامة الطباطبائي في مقدمة تفسيره « الميزان » قال : « وليس بين آيات القرآن ( وهي بضع آلاف آية ) آية واحدة ذات أغلاق وتعقيد في مفهومها بحيث يتحيّر الذهن في فهم معناها ، . . . وإنّما الاختلاف كلّ الاختلاف في المصداق الَّذي ينطبق عليه المفاهيم اللفظيّة من مفردها ومركّبها ، وفي المدلول التصوّري والتصديقي . توضيحه : أن الأنس والعادة ( كما قيل ) يوجبان لنا أن يسبق إلى أذهاننا عند استماع الألفاظ معانيها المادّية أو ما يتعلَّق بالمادّة ، فإنّ المادّة هي الَّتي يتقلَّب فيها أبداننا وقوانا المتعلقة بها ما دمنا في الحياة الدنيويّة ، فإذا سمعنا ألفاظ الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والرضا والغضب والخلق والأمر ، كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات المادّية لمفاهيمها ، . . . وهذا شأننا في جميع الألفاظ المستعملة ، ومن حقّنا ذلك ، فإنّ الَّذي أوجب علينا وضع ألفاظ إنّما هي الحاجة الاجتماعية إلى التفهيم المتعلقة بالمادة ولواحقها ، فوضعنا الألفاظ علائم لمسمّياتها الَّتي نريد منها غايات وأغراضا عائدة إلينا . وكان ينبغي لنا أن نتنبّه : بأنّ المسمّيات الماديّة محكومة بالتغيّر والتبدّل بحسب تبدّل الحوائج في طريق التحوّل والتكامل كما أنّ السراج أوّل ما عمله الإنسان كان إناء فيه فتيلة وشئ من الدّهن تشتعل به الفتيلة للإضاءة به في الظلمة ، ثمّ لم يزل يتكامل حتّى بلغ اليوم إلى السراج الكهربائي ولم يبق من أجزاء السراج المعمول أوّلا الموضوع بإزائه لفظ السراج شيء ولا واحد . فكان ينبغي لنا أن نتنبّه بأنّ المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض ، لا جمود اللفظ على صورة واحدة ، فذلك ممّا لا مطمع فيه البتة ، ولكن العادة والأنس منعنا ذلك ، وهذا هو الَّذي دعى المقلَّدة من أصحاب الحديث من الحشويّة والمجسّمة أن يجمدوا على ظواهر الآيات في التفسير وليس في الحقيقة جمودا على الظواهر بل هو جمود على العادة والأنس في تشخيص المصاديق » . وقال العلَّامة الطباطبائي أيضا في تعليقه على البحار ج 1 ص 100 : « الكتاب والسنّة مشحونان بأنّ معارف الدين ذوات مراتب مختلفة ، وأنّ لكل مرتبة أهلا ، وأنّ في إلغاء المراتب هلاك المعارف الحقيقيّة » . انتهى وممّا ذكرنا ظهر صحّة الروايات الواردة في رؤية رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ربّه سبحانه وتعالى ومعنى الرؤية ، وأنّ للرؤية مراتب منها مرتبة رؤية القلب ولرؤية القلب أيضا مراتب منها الشهود والفناء واللقاء ، وللكلام تفصيل له مقام آخر وكان المقصود هنا الإشارة إلى بعض الأحاديث الواردة في رؤية الرسول الأعظم صلَّى اللَّه عليه وآله ربّه عزّ اسمه ، وهكذا معنى الرؤية في الأحاديث إجمالا ، ولا بأس بالإشارة إلى روايتين في بيان بعض مصاديق العين العين والرؤية وهما : 1 - روى الصدوق عليه الرحمة في « التوحيد » باب 60 ص 366 الحديث 4 ، باسناده عن السجاد علي بن الحسين عليهم السّلام قال : « ألا إنّ للعبد أربعة أعين : عينان يبصر بهما أمر آخرته ، وعينان يبصر بهما أمر دنياه ، فإذا أراد اللَّه عزّ وجلّ بعبد خيرا فتح له العينين اللَّتين في قلبه فأبصر بهما العيب ( الغيب ) ، وإذا أراد غير ذلك ترك القلب بما فيه » . الحديث . 2 - روى الكليني في « روضة الكافي » ص 214 الحديث 260 باسناده ، عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : « انّما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين : عينان في الرأس وعينان في القلب ، ألا والخلائق كلَّهم كذلك ، ألا إنّ اللَّه عزّ وجلّ فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم » . راجع أيضا تعليقنا الرقم 348 على الجزء الثاني ص 549 ، والجزء الأوّل ص 246 التعليق 32 ، وص 258 التعليق 39 .